المقريزي

168

رسائل المقريزي

الله عنه على جميع من بها من القبط البالغين من الرجال دون النساء والصبيان والشيوخ دينارين على كل رأس ، فجبيت أول عام اثنا عشر ألف ألف دينار ، وقد روى أنها جبيت ستة عشر ألف ألف دينار ، وهما روايتان معروفتان ، فأقر ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه . ومن أنعم النظر في أخبار مصر عرف أن نقدها وأثمان مبيعاتها وقيم أعمالها لم يكن إلا من الذهب فقط إلى أن ضعفت مملكتها باستيلاء الفرنج عليها فحدث حينئذ اسم الدراهم ، وسأبين فيما يأتي طرفا من ذلك . ومع هذا ، فإن مصر لم تزل منذ فتحت دار إمارة ، وسكّتها إنما هي سكّة بنى أمية ثم من بنى العباس ، إلا أن الأمير أبا العباس أحمد بن طولون ضرب بمصر دنانير عرفت بالأحمدية ، وكان سبب ضربها أنه ركب يوما إلى الأهرام فأتاه الحجّاب بقوم عليهم ثياب صوف ومعهم المساحى « 1 » والمعاول ، فسألهم عما يعملون فقالوا : نحن قوم نتبع المطالب . فقال لهم : لا تخرجوا بعد هذا إلا بمشورة ورجل من قبلي ، وسألهم عمّا وقع إليهم من الصفات فذكروا له أن في سمت « 2 » الأهرام مطلبا قد عجزوا عنه ؛ لأنهم يحتاجون في إحاثته « 3 » إلى قدر كبير من المال ، ونفقات واسعة ، فأمر بعض أصحابه أن يكون معهم ، وتقدم إلى عامل معونة الجيزة « 4 » ، في دفع جميع ما يحتاجون إليه من المال والنفقات ، فأقام القوم يعملون إلى أن ظهرت لهم العلامات ، فركب أحمد بن طولون حتى وقف على الموضع وهم يحفرون فجدّوا في الحفر وكشفوا عن حوض مملوء دنانير وعليه غطاء مكتوب عليه بالبربوية « 5 » فأحضر من قرأه ففسره فقال : « أنا فلان بن فلان ، الملك الذي ميّز الذهب من غشّه ودنسه ، فمن أراد أن يعلم فضلى وفضل ملكي على ملكه ، فلينظر إلى فضل عيار دينارى على ديناره ،

--> ( 1 ) جمع مسحاة وهي ما تقشّر به الأرض وتكون من حديد . ( 2 ) السمت : الهيئة : يقال : فلان حسن السمت . ( 3 ) مصدر أحاث الأرض أي أثارها ، وقلّبها وطلب ما فيها من الدفائن . ( 4 ) كانت في القديم قرية صغيرة مجاورة لمصر المحروسة وهي الآن تعتبر ملتقى السيّاح الأجانب والعرب حيث يشاهدون عروض الصوت والضوء ، والأهرامات والمقابر الفرعونية . ( 5 ) قال ياقوت في معجمه : البرابى بالفتح وبعد الألف باء أخرى ، وهو جمع بربا ، وهي كلمة قبطية تعنى موضع العبادة .